الشيخ محمد حسين الحائري
196
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
لم يكن له دلالة على نفيها ولا على إثباتها فحمل إجماع علماء العربية على المعنى الأول وجعل نزاع القوم مع الحنفية في المعنى الثاني واعترض عليه التفتازاني بأن النزاع على هذا التوجيه لا يتأتى في الجمل الانشائية التي هي العمدة في المقام إذ ليس لها نسبة خارجية فيلزم أن لا يكون زيد في مثل أكرم الناس إلا زيدا في حكم المسكوت عنه بل محكوما عليه بعدم إيجاب إكرامه بلا خلاف ودفعه المحشي الشيرازي أولا بأن هناك إيجابا خاصا وإيجابا مطلقا واللازم مما ذكر أن يكون زيد في المثال المذكور محكوما عليه بعدم وجوب إكرامه بالايجاب الخاص أعني الايجاب الذي أنشأه بقوله أكرم لا عدم إيجاب إكرامه مطلقا ولو بأمر آخر فيمكن تحرير نزاعهم في المقام الثاني فيكون مراد الحنفية بكون المستثنى مسكوتا عنه أنه غير محكوم عليه بعدم الايجاب المطلق وإن كان محكوما عليه عندهم بعدم الايجاب الخاص بناء على ما مر وثانيا بأن مدلول الاستثناء عند الحنفية فيما مر الاعلام بعدم قصد تعلق الايجاب بإكرام زيد وهذا غير ما يجعله غيرهم مدلولا له من الحكم بعدم تعلق الايجاب بإكرام زيد وإن كان مستلزما له فإن الكلام في الدلالة اللفظية التي هي مقصودة للمتكلم لا في الدلالة مطلقا وثالثا بأن السكوت وعدم التعرض إنما ذكر في النسبة الخارجية دون النفسية وليس في الجمل الانشائية نسبة خارجية فهي خارجة عن محل البحث وهذا محصل كلامه ومنقح مرامه ولا يخفى أن الوجه الأول تعسف في كلامه لعدم مساعدة الاستعمال عليه لامتناع قولك أكرم العلماء إلا زيدا وأكرم زيدا فليتأمل والثاني يقتضي أن يكون النزاع في كيفية الدلالة لا في أصل الدلالة كما هو المعروف والثالث اعتراف بما ذكره المعترض وتنزيل كلام الحنفية عليه بعيد فإن الظاهر منهم عدم الفرق بين النشاء والخبر والتحقيق أن ما جعله العضدي توفيقا بين مقالة علماء العربية وبين مقالة الحنفية تعسف بعيد لا يكاد يخفى ضعفه على أحد فإن المفهوم من مقالة علماء العربية أن الاستثناء من النفي يقتضي الاثبات وبالعكس أنه يقتضي ذلك باعتبار النسبة الخارجية دون النسبة الذهنية فقط كما ذكره مع أنه لا يستقيم في الاستثناء من النفي فإنهم جعلوه للاثبات وعلى ما ذكره يكون للنفي أيضا احتجوا بمثل لا علم إلا بحياة ولا صلاة إلا بطهور فإنه لو دل الاستثناء فيه على الاثبات لدل على ثبوت العلم بمجرد الحياة والصلاة بمجرد الطهارة وإنه باطل بالضرورة والاتفاق والجواب أن استثناء الطهور من الصلاة والحياة من العلم غير صحيح لعدم الجنسية فلا بد من تقدير إما في جانب المستثنى بأن يكون المعنى لا صلاة إلا صلاة بطهور ولا علم إلا علم بحياة أو في جانب المستثنى منه بأن يكون المعنى لا صلاة بشئ أو بوجه إلا بطهور ولا علم بشئ أو بوجه إلا بحياة فإن زعموا أن العبارتين على التقدير الأول تقتضيان ما ذكروه فضعفه ظاهر كما أشار إليه التفتازاني وغيره من أن الاستثناء من النفي إنما يقتضي الاثبات الجزئي فقولنا لا صلاة إلا بطهور إنما يقتضي إثبات صحة الصلاة مع الطهور في الجملة لا مطلقا إذ ليس هناك ما يقتضي العموم وتحقيق ذلك أن الجمل الاستثنائية تقوم غالبا مقام جمل فعلية أو اسمية فتفيد مفادها في العموم وعدمه فإذا قلنا جاءوا القوم أو ما جاءوا إلا المشاة كان قولنا إلا المشاة في قوة قولنا ما جاء المشاة أو جاءوا فيدل بظاهره على عموم النفي أو الاثبات بدليل صحة الاستثناء منه كأن يقال إلا حفاتهم من غير خروج عن الظاهر فإذا قلنا ما جاءني إلا العالم دل على مجئ العالم كما لو قلت جاءني العالم لا على مجئ كل فرد منه وكذا إذا قلت إلا عالم عند قصد الجنسية ولا خفاء في أن المقام من هذا القبيل فيكون في قوة المهملة وإذا قلنا جاء القوم إلا العالم كان الظاهر منه العموم عند عدم العهد كما لو قلنا ما جاءني العالم نعم إذا كان المستثنى نكرة من الاثبات كان الظاهر نفي الحكم عن فرد لا بعينه لا عموم النفي فإذا قلنا جاءني الرجال إلا عالما دل على أن عالما لم يجئ لا أن كل فرد منه لم يجئ بدليل عدم صحة الاستثناء منه من غير خروج عن الظاهر على أن الحمل على الاثبات الكلي في البيان المذكور مستقيم بناء على تعلق النفي بالماهية الحقيقية سوأ قلنا بأنها الصحيحة كما هو الصحيح أو الأعم ولا يلزم خلو الكلام عن الفائدة لدلالتها على شرطية الطهور وعدم تحققها بدونه وإن زعموا أنهما يقتضيان ذلك على التقدير الثاني نظرا إلى أن مفادهما حينئذ أن الصلاة تكون مع الطهور أو بالطهور فقط وأن العلم يكون مع الحياة أو بالحياة فقط كما هو قضية الحصر الحقيقي فينافي شرطية غيرها فهو بظاهره متجه ولا مخلص عنه إلا بحمل القصر فيه على القصر الإضافي وهو متداول في المقام شائع في الاستعمال ومعه يندفع الاشكال ويبطل الاستدلال وأما ما يقال من أن المفهوم من الكلام المذكور عرفا هو مجرد شرطية الطهور للصلاة لا أنها تحصل بمجرده فمبني على استظهار كون القصر في ذلك إضافيا فيرجع [ فلا ينافي ] إلى ما ذكرناه واحتجوا أيضا بأن الاستثناء يقتضي رفع الحكم السابق وهو أعم من الحكم بالرفع وجوابه أن أداة الاستثناء إنما وضعت لرفع النسبة المستفادة من الكلام السابق عن مدخولها فإن كانت تلك النسبة نسبة إنشائية كما في قولك أكرم العلماء إلا زيدا فلا ريب أن رفعها يقتضي رفع ما أنشأه من طلب أو غيره بالنسبة إليه وإن كانت نسبته خبرية فقد حققنا سابقا أنها موضوعة للنسبة الذهنية من حيث كونها كاشفة عن النسبة الخارجية فرفعها رفع للنسبة الخارجية لان الحكم اللاحق لوجه الشئ باعتبار كونه وجها له لاحق لذلك الشئ فيكون مفادها في القسمين ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى لامتناع ارتفاع النقيضين فصل إذا خص العام فقد اختلفوا في كونه حقيقة